{1} دراسة في ثلاثية النصر القرآنية

تأملاتثلاثية النصر

4/14/20251 min read

يوضح الله لنا في {وَٱلۡعَصۡرِ إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لَفِی خُسۡرٍ إِلَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلصَّبۡرِ } كيف يكون استغلال وقت المؤمن بالعمل الصالح، في سبيل الحق مع تفعيل الصبر، وصفة فلاح. وهذا مما يجب على المربي غرسه نفسيا في المتلقي منذ الصغر، بالتوازي مع حرصه على البناء الجسدي.

إن للتنزيل الحكيم من الكمال و الجمال ما لا يعادله و لن يعادله أي خطاب على مر الأزمان. و الإشارات النفسية فيه ليست تفصيلا يضيع بين التفاصيل القرآنية الأخرى. بل هي جوهر تعجيزي أساسي كإعجاز البلاغة فيه وعلم الاجتماع والسياسة والفيزياء... 

فالله الرحيم بعباده العليم بالأنفس، ما كان ليبلونا في اختبار الخير و الشر، والحق و الباطل، من خلال العمل الحسن أو السيء (ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَیَوٰةَ لِیَبۡلُوَكُمۡ أَیُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلࣰاۚ) دونما تسليح أو أدوات.

فإذا كان خلق الإنسان حبا، وتفضيله على غيره كرامة، فهذا لا يسقط عنه (مدركا أو غير مدرك) الابتلاء و اجتياز الفتنة، تمهيدا لاستخلافه وتمكينه في الأرض. وقد زينه الخالق بحلية العقل و منحه حرية الاختيار، ليرقى بنفسه ويرتفع درجات في الدنيا قبل الآخرة.

فيأمرنا في حقل طلب العون، بالتمسك بالصلاة و الصبر. فالمحروم من قطع صلته بالله والشقي من أقبل على الحياة دون صبر.

والصبر له من الأهمية الكبرى، ما جعله يتردد في مواضع كثيرة، ليتعدى كونه قدرة على تحمل ما نجهل (وَكَیۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِ خُبۡرࣰا) إلى كونه فلسفة حياة. نجده مثلا في سورة العصر، واحدة من قصار السور المكية، هدفها تثبيت قلوب يخالط الشك فيها الإيمان، و تدفن مكارم الأخلاق ظلام الجاهلية وعاداتها، فيأتي فيها الخطاب درسا مركزا وجرعة حكمة بليغة للحياة اليومية.

يوضح الله لنا في {وَٱلۡعَصۡرِ إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لَفِی خُسۡرٍ إِلَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلصَّبۡرِ } كيف يكون استغلال وقت المؤمن بالعمل الصالح، في سبيل الحق مع تفعيل الصبر، وصفة فلاح. وهذا مما يجب على المربي غرسه نفسيا في المتلقي منذ الصغر، بالتوازي مع حرصه على البناء الجسدي. فالصبر هنا يشمل :

- المقدرة على إتيان الشيء (النافع)

- وتحمله (التكلف مع الوسع)

- مع تبسيط الأمور (الحياد)

- والتريث وترقب النتيجة (دون تعلق)

فالصبر يعد صبرا إذا طال في المدة، حيث يصبح انتظار اللذة (رب الخير لا يأتي إلا بالخير) لذة في حد ذاته!

وكثيرا ما ذكر الصبر و الصابرين سواء من المؤمنين أو المرسلين { وَإِسۡمَـٰعِیلَ وَإِدۡرِیسَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ كُلࣱّ مِّنَ ٱلصَّـٰبِرِینَ }. لكن، لعل تجليه بهذه المعاني التربوية، جاء أكثر وضوحا في قصة النبي موسى و العبد الصالح حيث ظواهر الأمور تخالف القوانين المادية لكنها تخفي حكمة إلهية (ذَ ٰ⁠لِكَ تَأۡوِیلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَیۡهِ صَبۡرࣰا). فموسى، مجسدا في هذا اللقاء، بلهفته على المعلومة ورغبته في آنية تحقق الأماني، الوعي الطفولي للبشرية. مثله في ذلك، مثل قومه، الذين كانوا :

- بصريين (عقل تشخيصي) : رفضوا التصديق حتى يروا الله جهرة

- هلوعين : إنا لمدركون

- عجولين : بعبادتهم العجل

- سريعوا الملل : لن نصبر على طعام واحد

- كثيري الجدال : قصة البقرة.

ولذا فإن خاتمية رسول الله للرسالات و الأنبياء، منبعها خاتميته لخط التطور البشري ودخوله عهد الفتوة، وتدشينه عصر الحضارة و المجتمع المدني (لذا أصبحت يثرب مدينة). فتوج عليه و على آله السلام بكماله كمالية البشرية واكتمال المنظومة القيمية كدوامات دائرية متسعة بعد إلقاء حجر على بركة ماء. فكان حقا اللبنة الخاتمة!

Related Stories